الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي تريد من زوجتي أن تعتذر وزوجتي تقول إن أهلي لم يحترموها!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوج وعندي ولد، وفي عقيقته وقع مشكل (خصام وتنابز بالألقاب) بين نساءٍ من أهل زوجتي ونساءٍ من أهلي، ومن بينهم أمي، والمشكلة أصلها أن زوجتي أرادت عمل حفلة صاخبة نوعًا ما، وقد وافقتُ على ذلك، وهو أمر لم يستحسنه أهلي، لكنهم لم يمنعوني، غير أن ما ذكرتُ في البداية من خصام قد وقع، وأصبحت أمي غاضبة من زوجتي بسبب ما حصل.

زوجتي لا تريد الاعتذار عمّا حدث، بحجة أن امرأة من أهلي لم تحترم أهلها ولم تُحسن معاملتهم، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الموضوع لا يتسع المقام لذكرها، لكن بالمجمل هذا ما وقع.

الإشكال القائم الآن هو أن أمي تطالبني باعتذار من زوجتي وأهلها، بينما زوجتي تقول إن أهلي لم يحترموها، وأبي نصحني بطلاقها بحكم أنها لم تحترم أمي، ولم تُطعني حين قلت لها أن تعتذر، وأنا في حيرة من أمري: ماذا يجب عليّ أن أفعل الآن دون ظلم لأي طرف؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا وأخانا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يصلح الأحوال، وأن يعينكم على التعامل مع هذا الموقف بما يرضي الله تبارك وتعالى.

سعدنا جدًا قولك: "أريد أن أحل هذا الأمر أو ماذا أفعل دون ظلم لأي طرف؟"، لأن الشرع الذي أمرك ببر والديك والإحسان إليهما، هو الشرع الذي يأمرك بالإحسان لزوجتك ويحفظ مكانتها ومقدارها، ولذلك ينبغي أن تنتبه، فطاعة الوالدين مطلوبة لكن فيما يرضي الله -تبارك وتعالى- والذي ننصح به بدايةً هو عدم الاستعجال في الأمر، وعدم المضي طويلًا في الخصام الذي يحصل بين النساء هاهنا وهاهنا؛ لأن الأمور التي بين النساء نحتاج أن نتركها للنساء، ودخول الرجال فيها يعقدها، لذلك نتمنى أن يصبر الوالد، ويعطيك فرصة، وأن تصبر الوالدة، حتى تُحل هذه الأمور بالطريقة النسائية؛ لأن للنساء قواعد مختلفة في الشجار والمشاكل التي تحدث.

ولذلك ما ينبغي أن تظلم زوجتك ولا تظلم أهلك، وسيأتي اليوم الذي يعرف فيه المخطئ أن عليه أن يعتذر؛ لذلك أرجو أن يُدار الموضوع بمنتهى الحكمة وبمنتهى الهدوء.

وإذا كانت الزوجة عملت حفلة، واضح من الاستشارة أن هذا كان برضاك وبموافقتك، وبالتالي ما ترتَّب على هذا من خصام أرجو ألَّا يذهب بك بعيدًا، وأرجو ألَّا يكون سببًا في هدم بيت وأسرة مستقرة.

وهذه المشاكل من الطبيعي أن تحصل؛ لأن في أهلك وفي أهلها من يأتي بالمشاكل، ومن يحب المشاكل، ومن يحتاج أن نصبر عليهم، وبالتالي هذه الأمور أرجو أن تُدار بحكمة، ولا تصل إلى مرحلة الطلاق لزوجتك أو الظلم لأهلك، وسيعرف الذي منه الخطأ أن عليه أن يعتذر.

الشريعة تريد بعد الخصام أن نعطي فرصة، لذلك «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ ‌يَهْجُرَ ‌أَخَاهُ ‌فَوْقَ ثَلَاثٍ» لماذا ثلاث؟ لأنه كلما طالت المدة يبدأ الهدوء، وتتهيأ النفوس للصفاء، وتتهيأ النفوس لقبول النصح، وتتهيأ النفوس للصلاح والإصلاح بينهم، فكن ساعيًا لإصلاح ذات البين.

نحن نريد من زوجتك أيضًا في نهاية المطاف أن يكون منها اعتذار، وإن كان الخطأ من امرأة من أهلها، أن تعتذر لوالدتك على وجه الخصوص؛ لأنها تظل أمًّا وهي الكبيرة، ولكن كل هذا يحتاج إلى شيء من الوقت، والزوجة لكي تقوم بهذا تحتاج منك إلى تقدير مواقفها، ورفع معنوياتها، وتذكيرها بأنها ينبغي أن تحترم الوالدة لأجلك، وأنك تُقدّر الذي حدث، وأنك لا تتهم أحدًا بالخطأ، وأن الخطأ مشترك، ونحو هذا من الكلام الجميل الذي يجلب الرضا، والزوجة تحتاج إلى دعم معنوي وتشجيع في الناحية المعنوية.

وعليها أيضًا أن تُقدِّم طاعتك، فإذا كنت ترغب في أن تعتذر لوالدتك، فعليها في نهاية المطاف أن تعتذر، حتى لو لم تكن مخطئة، وإنما أخطأت امرأة من أهلها، عليها أن تعتذر نيابة عنهم لوالدتك على وجه الخصوص، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعينكم على الخير.

والمطلوب هنا هو الإصلاح في ذات البين، وهذا لن ينجح إلَّا إذا نقلنا الخير، ونقلنا المشاعر الجميلة، وحجبنا كل كلام سالب عن أن يصل؛ لأن هذا فعل النمامين، إنما المؤمن ينقل خيرًا، وينمي خيرًا، و«لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَقُولُ خَيْرًا، أَوْ ‌يَنْمِي ‌خَيْرًا» حتى يحصل الصلح.

نسأل الله أن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً